الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
300
شرح ديوان ابن الفارض
درى هو بنفسه أنه مات ، فإن الميت بالموت الاختياري لا يشعر بنفسه أنه ميت لعدم بقاء الشاعر منه وهو نفسه . اه . اللغز الثاني والعشرون أهوى قمرا له المعاني رقّ من صبح جبينه أضاء الشّرق تدري باللّه ما يقول البرق ما بين ثناياه وبيني فرق [ المعنى ] « أهوى » بمعنى أحب من الهوى بمعنى المحبة . وقوله « له المعاني رق » أي معاني الحسن رق له أي مملوكة له . فالرق بمعنى المرقوق . قوله « من صبح جبينه » الإضافة بيانية أي الصبح الذي هو جبينه . و « الشرق » بفتح الشين أي جانب الشرق ، أي أضاء جانب الشرق من صبح جبين ذلك القمر الذي جميع معاني الحسن مملوكة لحسنه . « تدري » مضارع على حذف أداة الاستفهام ، أي أتدري باللّه ما يقول البرق . وفسر « ما يقول البرق » بقوله « ما بين ثناياه » . و « بيني فرق » وما نافية أي لا فرق بيني وبين ثناياه لما بيني وبينها من النسبة في الإضاءة وفي الإبراق والإشراق . وما ألطف ذكر الفرق مع ذكر الثنايا فإنه يقال فلان أفرق أي بين ثناياه تفارق ليست متصلة متصافة . والفرق أيضا بمعنى المفارقة وهو المراد هنا . ويصح على بعد أن تكون ما موصولة فتأمل . ( ن ) : قوله قمرا تنكيره للتعظيم وفي الحديث « إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » وهو ظهوره تعالى متجليا عليهم بنفوسهم منزها عنها وعن مشابهة كل شيء . وقوله له المعاني رق ، أي في ملكه يتصرّف فيها كيف شاء . والمعاني جمع معنى ، وهو ما تتخيله النفوس بقوة خيالها ، والعلوم الحادثة كلها معان ، وربما يراد بالمعاني ما ليس له قيام بنفسه سواء كان عرضا أو جسما . وقوله من صبح جبينه الكناية هنا بالجبين إلى طرف من الوجه وهو انحرافه إلى المعلومات الكونية ، فإنه نور حق يظهر به كل مستور في ظلمة العدم من الممكنات ، وجعله صبحا لانكشافه في ظلمة الكون العدمية . وقوله أضاء الشرق أي عالم الكون فإنه كله مشرق بالوجود الحق ولا وجود إلا وإشراق وجوده من فائض كرمه وجوده . تدري بحذف همزة الاستفهام ، والخطاب لكل سالك في طريق اللّه تعالى . وقوله باللّه ، أي أقسم عليك باللّه . وقوله ما يقول البرق ، أي الشيء الذي يقوله البرق ، وهذا القول نطق يسمعه العارف باللّه تعالى كما قال سبحانه : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصّلت : الآية 21 ] ولهذا أقسم عليه باللّه أن يصدقه فيما يخبر عن نفسه ، فإن النطق عندنا ليس من شرط اللسان ، والبرق كناية عن الأمر الإلهي الظاهر بصور الخلق . وقوله ما بين